بمقدار البؤس الذي أصبح يجتاح العالم أصبح البحث عن السعادة من اولويات البشر

7/7 – رشيد السهيلي

happy man with hands up on sunset background; Shutterstock ID 100173191; PO: aol; Job: production; Client: drone

السعادة هذه الكلمة التي شغلت ألباب المفكرين والفلاسفة .شغلت عامة الناس وخاصتهم .غنيهم و فقيرهم. صغيرهم وكبيرهم .مفهوم اختلف معناه باختلاف تمثلات الناس باختلاف مذاهبهم الفكرية ومعتقداتهم الدينية.

فهل هي إرضاء للبدن أم إرضاء للعقل أم اهتمام بالغرائز وميولات القلب؟ أهي الاستقرار المادي أم النفسي والعاطفي ؟لكن الأهم من ذلك هل السعادة ممكنة فعلا في هذا العالم المادي المنحط أم موعودة في العالم الأخر بكل صفائه؟

حاول الفلاسفة المسلمون التمييز بين السعادة كإحساس جسدي وكشعور روحي. ومجدو الشعور الروحي باللذة والسعادة المتسمة برقابة العقل لأنها في نظرهم مبرأة من انحطاط الشعور بالسعادة الجسدية الحيوانية في اصلها وصفاتها.فكلما هو روحي متميز بالطهارة وكل ما هو مادي متميز بالدونية.فكل سعادة لا تتحقق في نظرهم إلا بانفصال الروح الطاهرة عن دناءة الجسد وشهواته ونزواته ورذائله وما العقائد والعلوم والتعلق بالفنون الراقية إلا وسيلة لتحقيق هذه الغاية وهذا الانفصال، لدرجة أن المتصوفة والزهاد خلقوا لأنفسهم بيئة حاولوا من خلالها التحرر من ملذات الدنيا وشهواتها المسيطرة على النفوس لتجد الروح فرصتها للانطلاق ومعانقة الصفاء والنقاء الإلاهي بل إن الفرابي يعيد الشقاء الإنساني إلى التداخل في كينونته بين طهارة النفس ودناسة الجسد بل حتى العقل عندما تخالطه هواجس ومشاعر فاسدة كالحسد والحقد والكراهية والذوبان في حب الذات تفقده النور الذي يضيء الوجود البشري وتبصم الروح الطاهرة بما يكدر صفوها .وإذا ما ركزنا على هذا المفهوم اليوم في زمن العولمة والاستهلاك فسعادة هذه المجتمعات وأمام هذا الفراغ  الروحي الرهيب لخصت في حب شهواتهم وذواتهم إلى درجة  العبودية  واستبدل كل ماهو جميل في هدا الكائن من أخلاق ومشاعر رقيقة ومبادئ بلغة المصالح الفردية والجماعية. فأصبح التباهي شعار هذه المجتمعات الاستهلاكية وربطت العلاقات الاجتماعية بالمصالح المادية إلا أنها سعادة زائفة كسراب يحسبه الضمأن ماء.

سرعان ما تنتهي بانتهاء لذة الاستهلاك .ليعود كل منا ليقلب أوراق ذكرياته البالية ويحن إليها ليس لأن الماضي أكثر جمالا بل لأن الحاضر أكثر قبحا بمآسيه وإحباطاته المتعاقبة فيعيش في زمنه الطفولي مستلذا بذكريات جميلة جمعته مع أبويه أو إخوانه أو خلانه متوهما عودتها دون جدوى .فشتان بين سعادة طفل مبرئ من كل خصلة ذميمة وبين مايصبو أليه إنسان راشد من نجاح وسعادة يبنيها على أسس مادية زائلة.

إذن مهما نفصل القول في هذا الموضوع تبقى السعادة بعيدة المنال في زمن المادة والعلاقات النفعية بل تصبح السعادة كما قال بعض فلاسفة الأنوار غاية لا تدرك بل نكاد نقتنع أنها ليست إلا وهم كبير ليبقى الإنسان حي يرجاها في كل حين فهي ليست إذن إلا خدعة الوجود.

نشر بتاريخ : الأربعاء 21 يونيو 2017 - 12:18 صباحًا